ابن عجيبة
476
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
و نُرِيَنَّكَ فعله ، أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ : عطف عليه . فَإِلَيْنا جواب نَتَوَفَّيَنَّكَ ، وجواب الأول محذوف ، أي : إن أريتك بعض عذابهم في الدنيا فذاك ، وإن توفيناك قبل ذلك فإلينا مرجعهم . يقول الحق جل جلاله : وَ اذكر يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ ونجمعهم للحساب ، فتقصر عندهم مدة لبثهم في الدنيا وفي البرزخ ، كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا ، أو في القبور ؛ لهول ما يرون ، حال كونهم يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ أي : يعرف بعضهم بعضا ، كأن لم يتفارفوا إلا قليلا ، وهذا في أول حشرهم ، ثم ينقطع التعارف ؛ لشدة الأمر عليهم لقوله : وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً . يُبَصَّرُونَهُمْ « 1 » . قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ خسرانا لاربح بعده ، وَما كانُوا مُهْتَدِينَ إلى طريق الربح أصلا ، أو إلى طريق توصلهم إلى معرفة اللّه ورضوانه ، لترك استعمال ما منحوه من العقل فيما يوصل إلى الإيمان بالله ورسله ، فاستكسبوا جهالات أدت بهم إلى الرّدى والعذاب الدائم . وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ أي : مهما نبصرنك بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ من العذاب في حياتك ، كما أراه يوم بدر . أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قبل أن نريك فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فنريكه في الآخرة ، ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ ، فيجازيهم عليه حينئذ ، فالترتيب إخبارى . وقال البيضاوي ، تبعا للزمخشري : ذكر الشهادة وأراد نتيجتها ومقتضاها ، وهو العقاب ، ولذلك رتبها على الرجوع بثم ، أو مؤدّ شهادته على أفعالهم يوم القيامة . ه . وَلِكُلِّ أُمَّةٍ من الأمم الماضية رَسُولٌ يبعثه إليهم ، يدعوهم إلى الحق ، فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ بالمعجزات « فكذبوه » قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ : بالعدل ، فأنجى الرسول ومن تبعه ، وأهلك المكذبين وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ، حيث أعذر إليهم على ألسنة الرسل . وقيل معناه : لكل أمة يوم القيامة رسول تنسب إليه . كقوله : يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ « 2 » فإذا جاء رسولهم الموقف ليشهد عليهم بالكفر أو بالإيمان قُضِيَ بَيْنَهُمْ بإنجاء المؤمنين وعقاب الكافرين ، كقوله : وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ « 3 » . وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ الذي تعدنا ، استبعادا له واستهزاء به إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فيه ، وهو خطاب منهم للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم .
--> ( 1 ) من الآيتين 10 - 11 من سورة المعارج . ( 2 ) الآية 71 من سورة الإسراء . ( 3 ) الآية 69 من سورة الزمر .